جموح قيصر
على الساعة الحادية عشر ليلا
عاد رائد من سفره الطويل من مدينة أغادير بالمغرب الذي كان بسبب أشغال والده هنالك ، وصل المحطة ولا زالت تعابير وجهه تٙنِمُّ عن النوم العميق وتقلبِه الطويل على كرسي الحافلة.
نزل على مهل مراعيا تشنج عضلاته وآلام مفاصله التي كانت بسبب طول الرحلة و رداءة تلك الحافلة التي بدت حديثة الطراز و من إحدى العلامات المعروفة ذهب بعد نزوله في خطاً متثاقلة لمؤخرة الحافلة ليأخذ حقيبته الزرقاء ، و في إنتظار أن يحمل الجميع حقائبهم و ريثما تتسنى له الفرصة لأخذ حقيبته و مقتنياته من الرحلة ، أدخل رائد يده في جيبه ليخرج علبة السجائر خاصته من نوع "مالبور" مع قداحته الحديدية ، أخذ سيجارة من العلبة و أطبق عليها بشفتيه في هذه اللحظة كسر صوت فتح القداحة سكون الليل و صمت المسافرين المنهكين ،أخذ رائد نفسا عميقا توغّل به دخان تبغ في كلِّ جزء من رئته التي تحتضر.
في هذه اللحظة لمحت عينه فتاة في عقدها الثاني جالسة على ناصية الرصيف و تحت ضوء الإنارة العمومية. كان رائد يتميز بحدة نظرته و برودة عينيه يستهويه ذلك النوع من الفتيات.
انفض الجميع من أمام الصندوق ، وذهب كل واحد منهم في طريقه ، هنا هٙمّ قاطع التذاكر بإغلاق باب الصندوق في الوقت الذي كان فيه رائدا منشغلا بسيجارته و محدقا بتلك ىالبنت التي سحرته.
ناداه موظف الحافلة: يا هذا ليس لديك أي أعراض هنا.
رائد: نعم الحقيبة الزرقاء لو سمحت.
موظف الحافلة: لا يوجد ما تتكلم عنه.
رائد: كيف لا توجد وضعتها بيدي في الصندوق.
رد عليه موظف الحافلة بشيء من اللا مبالاة قائلا: أنا أعتذر منك يا سيدي لا توجد أي حقيبة زرقاء و يجب عليّ المغادرة بعد قليل، و أغلق الصندوق.
أثار هذا التصرف غضب رائد الذي عاش طوال حياته مشاكل السرقة و الاعتداءات مع أقرانه في الحي الشعبي الذي كان يسكن فيه هو وأمه بمنأى عن والده.
كانت هذه المرة الثانية الذي وضع الأب ثقته في ابنه (رائد) في محاولة لضمه إليه ، وابتعاده عن رفقاء السوء كان إقتناعًا منه أن حياته ستصير أفضل بعد صحبة دامت أكثر من عشر سنين لم ير أباه فيها إلا مرات قليلة تُعدّ على الأصابع ، إلا أن هذه الأسباب لم تكن الكافية لتثنيه عما سيقدم عليه، وكل ما كان يجول في ذهنه ، كيف سيسترد الحقيبة و ما فيها من وثائق مهمة و أموال؟ و كيف سيبرر لأبيه أنها ضاعت أو سرقت من الحافلة؟
أمسك رائد موظف الحافلة من قميصه بكلتا يديه و ضمه إليه ليضربه بجبهته العريضة على رأسه و يسقطه أرضا و ينهال عليه بالركل على بطنه كل هذا كان يجري تحت عيني (سامية) -فتاة الرصيف-.
بعد أن أفرغ رائد جلّ غيضه و غضبه ضربًا و إلقاءًا للشتائم في صوت مكتوم لم يتعد شفتيه و تنهد تنهدًا طويلا في جموح و شرود.
بدى له الرجل الهاجع أمامه قد توقف عن الصراخ و التأوه من شدة الضرب الذي نال من جسده الضئيل الهزيل بيد ان هذا لم يدم طويلا.
فقد بدأت فجأة أطرافه ترتعش و الدم يسيل من أنفه ملطخًا قميصه الرمادي و مخضّبًا أحجار الإسفلت المرصعة على معظم أرضية المحطة.
ينظر رائد في هدوء شبه تام ، أخذ مجموعة المفاتيح التى في جيبه و وضعها في يد الموظف وجعله يطبق عليها بإحكام لعلها تخفف من إضطراب الجهاز العصبي ، لكن هذا لم يكن مجديا ، فبعد أن أحس رائد أنه تحسن و هدأ ، شرعت أطرافه الأربعة في الإستقامة و التصلب ، و إزادت حدة التوتر لدى رائد ، جثا على ركبتيه و وضع أطراف أصابعه عند رقبة الموظف ليجس نبضات قلبه.
في هذه الأثناء رن الهاتف بصوت خافت يرتفع تدريجيا سحب رائد الهاتف من قعر جيبه في وجل شديد نظر إلى شاشته العالية الاضاءة بعينين شبه مغمضتين حمراوتين أدمنتا السهر و اللّتان لم تأخذ قسطهما من الراحة الليلة الماضية ، مٙنْ! ، كمال! ، جئت في وقتك يقول ذلك بصوت خافت.
رائد: الو.
كمال (صديق رائد القديم): هيا بنا أنا أنتظرك عند الباب يا من لا يتذكرنا إلا في وقت حاجته.
رائد: اسمعني جيدا، ليس هذا وقت هرائك الزائد أترك ما في يدك وتعال بالسيارة عند ورشة العمل خلف المحطة فورا.
كمال: هيهييه دوينو أو شطرنج هذه المرة.
رائد: قلت لك اسمعني جيدا ، ستجد فتاة على الرصيف بمجرد دخولك من الحائط المهدوم خذها إلى السيارة طوعا أو غصبًا و سأوافيك هناك بعد لحظات.
قُطِعٙ الإتصال.

0 التعليقات:
إرسال تعليق